كنتُ أورّد كيماويات البناء للمقاولين الذين يصبّون أساساته. وبعد أربعة عشر عامًا، عدت.

Posted At: يوليو 21, 2026 - 581 Views

الصورة التي احتفظت بها منذ عام 2012

الكاتب في موقع «كافد» عام 2012 بزيّ «دي سي بي»؛ خلفه حديد تسليح اللبشة والرافعات، وكانت المدينة حينها على الورق أكثر مما هي على الأرض.

في عام 2012 كنت مديرًا عامًا لشركة «دي سي بي السعودية»، وكان مركز الملك عبدالله المالي في الرياض من أكثر مواقعنا تطلبًا. كنا نورّد كيماويات البناء لعدد كبير من المقاولين العاملين في المشروع: إضافات للخرسانة التي تُصبّ في حرّ الرياض، ومواد عزل مائي لقبوات ستقوم فوقها أبراج ومحطة مترو. كان عملي يضعني في الموقع باستمرار، بين المصممين والاستشاريين من جهة، وفرق التنفيذ من جهة أخرى، لحلّ المشكلات بين الطرفين. وذات ظهيرة، وأنا واقف بين الحفريات وحديد التسليح بخوذة فوق بدلة وربطة عنق، التُقطت لي صورة. لحظة عادية في مشروع غير عادي. في ذلك الوقت، كانت المدينة المقبلة موجودة أساسًا في المخططات والجداول الزمنية والحسابات الهندسية، وفي مخيّلة الذين يبنونها.

بعد أربعة عشر عامًا عدت إلى المكان، فلم أكد أعرفه.

تحوّل موقع البناء إلى حيّ متكامل: أبراج وساحات مشجّرة وممرات علوية ومطاعم ومكاتب ومساكن، ومحطة مترو يصوّرها الناس حتى وإن لم يكونوا مسافرين. وأعاد المشي في أرجائه تلك الصورة إلى ذهني، ومعها شعور بالفخر: بالمباني المكتملة، وبآلاف الأشخاص الذين جعلوها ممكنة.

ما الذي قام فوق تلك الأساسات

انطلق المشروع في عهد الملك عبدالله، وطوّرته المؤسسة العامة للتقاعد عبر شركة الرائدة للاستثمار؛ بدأت أعمال الموقع عام 2006 واعتُمد المخطط العام عام 2007. والرواية الصادقة تتضمن المنتصف الصعب: سار المشروع لسنوات أبطأ مما تمنّى الجميع، وبحلول منتصف العقد الماضي كان جزء كبير منه مبنيًّا لكنه شبه خالٍ. وفي عام 2017 انتقلت ملكيته إلى صندوق الاستثمارات العامة الذي أسّس في العام التالي شركة متخصصة لتطويره وإدارته، ومنح المركز مهمة جديدة بوصفه وجهة أعمال وأسلوب حياة ضمن رؤية السعودية 2030. وأن يتعثر مشروع ثم تتغير ملكيته ثم يصل إلى ما وصل إليه، فذلك جزء مما يجعل المدينة المكتملة مقنعة.

في تلك الأيام كنت أفهم «كافد» صبّة صبّة، وتوريدًا توريدًا، وموعد تسليم بعد آخر. أما اليوم فرأيت الصورة الكاملة: خمسة وتسعون مبنى صمّمها أكثر من خمسة وعشرين مكتبًا معماريًا عالميًا، لكل برج هويته، والمجموع كله يُقرأ مكانًا واحدًا. المخطط الذي كنا نتعامل معه مقاطع ومواصفات صار مدينة يمكن أن تتعشى فيها.

العمل الذي لا يُرى

كل ما قدّمته شركتنا في «كافد» تقريبًا صار غير مرئي اليوم. تلك طبيعة كيماويات البناء: الإضافات داخل الخرسانة، والعزل مدفون تحت الأرض، ومواد الإصلاح خلف الواجهات. لا أحد يصوّرها. وأدركت في زيارتي أن هذا ينطبق على معظم العمل الذي تقوم عليه مدينة كهذه. فخلف كل منشأ مكتمل آلاف المخططات والفحوصات والاعتمادات والحسابات وإجراءات السلامة واجتماعات التنسيق والقرارات الفنية. وهناك عمال ومهندسون ومشرفون واستشاريون ومقاولون وموردون ومديرو مشاريع يحلّون مشكلات لن يعلم بوجودها معظم زوّار المستقبل. مشاريع بهذا الحجم لا يصنعها شخص واحد ولا شركة واحدة ولا تخصص واحد.

حين أنظر إلى صورتي من عام 2012 أتذكر الحرّ والخرسانة غير المكتملة وحديد التسليح وحركة الناس والمعدات التي لا تهدأ. وحين أنظر إلى «كافد» اليوم أرى حصيلة تلك الجهود الفردية التي لا تُحصى.

الأرض نفسها بعد أربعة عشر عامًا

الأرض نفسها بعد أربعة عشر عامًا.

المحطة التي كبرت مع المدينة

أوضح مقياس للتحوّل هو محطة مترو «كافد» التي صممتها زها حديد للعمارة، وجرى تصميمها وتنفيذها بين عامي 2012 و2024، وهي تقريبًا سنوات غيابي نفسها. في 2012 كانت تلك الأرض حفريات ومناطق تشوين. واليوم هي محطة التقاء المسارات الأزرق والأصفر والبنفسجي في قطار الرياض، بستة أرصفة موزعة على أربعة مستويات عامة. صمّم المعماريون المحطة بعد نمذجة حركة الركاب والقطارات والمركبات على مدار اليوم، وتركوا تلك الحركة تشكّل منشأً من موجات جيبية متقابلة يمتد من الداخل إلى غلافها الانسيابي. فتحات الواجهة تخفف اكتساب الحرارة الشمسية، وانحناءاتها المتكررة تحاكي الأشكال التي تتركها رياح الصحراء على الرمال. افتُتحت المحطة مع المرحلة الأولى من قطار الرياض في ديسمبر 2024، وهي حاصلة على شهادة «ليد» الذهبية، بنظام تبريد يتكيف مع أعداد الركاب على مدار اليوم.

محطة مترو كافد بتصميم زها حديد للعمارة

محطة مترو «كافد» بتصميم زها حديد للعمارة. تصوير: فرانسيسكو أنزولا، رخصة CC BY 2.0.

من داخل محطة مترو كافد

من داخل المحطة، حيث تمتد الموجات الجيبية المتقابلة من الداخل إلى الغلاف الانسيابي. تصوير: علي لجمي، رخصة CC BY 2.0.

والمدينة من حولها معتمدة كذلك: يصف مطوّر «كافد» والمجلس الأمريكي للأبنية الخضراء المركز بأنه أكبر مشروع في العالم حاصل على «ليد» البلاتينية لتطوير الأحياء (المرحلة الثانية)، مع أكثر من خمسمئة ألف متر مربع من المساحات المشجّرة. ويقع قدر كبير من هذه الخضرة في «الوادي»، وهو ممر عام ينخفض 5.5 أمتار عن مستوى الشارع حيث الهواء أبرد بشكل ملموس. في الرياض، المساحة الخارجية القابلة للمشي في أغسطس مسألة هندسية قبل أن تكون مسألة تصميم.

المدن تُبنى مرتين

ذكّرتني زيارتي بأن العمل في مشروع كهذا ليس مجرد مهمة مهنية. وأنا واقف هناك من جديد، وجدت أنني ما زلت أقرأ المدينة كما يقرؤها المورّد: أعرف أي المواد غير المرئية تسكن أي الجدران المرئية. صورة 2012 لا تُظهر شيئًا من ذلك؛ تُظهر غبارًا وحديدًا ورجلًا بخوذة. أحتفظ بها لأنها تثبت ما تخفيه الواجهة المكتملة: المدن تُبنى مرتين، أولًا في المخططات والخيال، ثم بعمل الناس الذين يحوّلونها إلى حياة. وأفخر بأن جزءًا صغيرًا مما يُمسك «كافد» قائمًا هو من صنعنا.


نبيل كيلاني كان مديرًا عامًا لشركة «دي سي بي السعودية» عام 2012، مورّدًا كيماويات البناء لمقاولي مركز الملك عبدالله المالي. وهو اليوم الرئيس التنفيذي لتطوير الأعمال في «محطة البناء» (مجموعة منزل التسويق للتجارة)، المدرجة في السوق المالية السعودية.

الوسوم: