Posted At: يوليو 19, 2026 - 174 Views

المشكلة ذات الأربعين عاماً التي تحاول هارفارد اختزالها في عشرة
حين منحت مايكروسوفت أداة Copilot لفريق مبيعاتها المؤلف من 62 ألف موظف، بلغ الاستخدام اليومي النشط ذروته عند 22.7 بالمئة ثم هبط إلى 5.1 بالمئة في ما يزيد قليلاً على شهر، رغم حماس القيادة التنفيذية وحملة داخلية واسعة. هذا الانهيار، الموثّق في دراسة حالة لكلية هارفارد للأعمال، هو السبب في أن هارفارد تقدّم اليوم برنامجاً تنفيذياً مدته أربعة أيام بعنوان «الذكاء الاصطناعي التوليدي: الاستراتيجية والتطبيق». وتقوم فرضية البرنامج على أن أكثر دروس التاريخ موثوقية بشأن التقنيات ذات الأغراض العامة على وشك أن يُختبر على جدول زمني مضغوط، وأن معظم الشركات ترسب في الاختبار بالطريقة نفسها التي رسبت بها في المرة السابقة.
المرة السابقة كانت الكهرباء. افتُتحت محطة إديسون في «بيرل ستريت» عام 1882، ومع ذلك لم تتجاوز المحركات الكهربائية نصف قدرة تشغيل المصانع الأمريكية إلا نحو عام 1920، ولم يأتِ العائد الإنتاجي إلا في عشرينيات القرن الماضي. وصار تفسير الاقتصادي بول ديفيد كلاسيكياً: استبدلت الشركات المحركات البخارية بأخرى كهربائية لكنها أبقت تصميم المصنع القديم، فلم يتحسّن شيء يُذكر حتى أعادت تصميم العمل نفسه. كانت التقنية ضرورية، لكن إعادة التصميم كانت الحاسمة.
يعيد الذكاء الاصطناعي التجربة نفسها مع متغيّر واحد مختلف: سرعة الانتشار. ففي غضون عامين من إطلاق ChatGPT، كان 39 بالمئة من البالغين الأمريكيين في سن العمل قد استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق بحث لألكسندر بيك وآدم بلاندين وديفيد ديمنغ نُشر عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس. وكان الإنترنت عند نصف هذه النسبة في العمر نفسه، واحتاج الحاسوب الشخصي ثلاث سنوات ليبلغها. ويتوقع بنك جولدمان ساكس ارتفاعاً بنسبة 7 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي على مدى عشر سنوات. أما الأربعون عاماً التي احتاجتها الكهرباء فقد قُضي معظمها في انتظار انتشار التقنية وإعادة المديرين تصميم العمل حولها. انتهى الانتظار الأول، ولم يبقَ إلا الثاني، ولهذا صارت النافذة المرجّحة عقداً واحداً، ولهذا سيُحسم الفرز بممارسات الإدارة لا بجودة النماذج.
صُمّم البرنامج، الذي يرأسه البروفيسوران راجيف لال وسوراج سرينيفاسان، لسدّ ما يسميه أعضاء هيئة التدريس «فجوة استراتيجية الذكاء الاصطناعي»، أي المسافة بين ما تعلنه مجالس الإدارة عن الذكاء الاصطناعي وما تنفّذه المؤسسات فعلاً. ويعتمد على منهج دراسة الحالة: يُعدّ المشاركون كل حالة فردياً، ثم يختبرون أفكارهم في مجموعات نقاش صباحية صغيرة، ثم يتحاورون في القرار داخل قاعة كاملة. ويتتبّع مسار الأيام الأربعة الرحلة التي تخوضها معظم الشركات: يبدأ بالفرص عبر تحركات Coursera المبكرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، ثم ينتقل إلى الاضطراب والمستقبل القائم على الوكلاء: بناء Salesforce لمنصة Agentforce، وقرار Adobe حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصة أم تهديداً لأعمالها الأساسية.
محور البرنامج هو التطبيق. تقدّم حالة مايكروسوفت العبرة التحذيرية، ويقدّم حلّها المبدأ العملي. فلم يتعافَ الاستخدام إلا حين دُمج Copilot في سير العمل اليومي، وحين منحت حالة استخدام واحدة، وهي تلخيص الاجتماعات، مندوبي المبيعات سبباً للعودة كل صباح، مدعومة بتمكين مستمر لا يمكن أن يتوقف دون أن يتراجع الاستخدام. وتبحث حالة Unilever في المواهب والقدرات التي تتطلبها مؤسسة جاهزة للذكاء الاصطناعي. أما Gamma، التي بلغت 50 مليون دولار من الإيرادات المتكررة بربحية وبثلاثين موظفاً فقط، فتُظهر كيف يبدو نموذج التشغيل المولود من رحم الذكاء الاصطناعي حين لا يوجد سير عمل قديم يُدافَع عنه. وتكتمل الرحلة بجلسات حول إعادة تصميم سير العمل، والتجارة في عصر الذكاء الاصطناعي عبر Criteo، ومسار Harvey من مساعد قانوني إلى سير عمل أساسي، والتوائم الرقمية القائمة على الوكلاء عبر حالة WorkFabric، وجلسة رافاييلا سادون حول مستقبل العمل، قبل نقاش ختامي حول الحوكمة. ويبني المشاركون أيضاً بالذكاء الاصطناعي مباشرة، في جلسات تطبيقية لبناء الوكلاء وورشة يعيدون فيها تصميم أحد مسارات عملهم.
تسري ثلاثة مبادئ عبر المنهج. أولها أن استراتيجية الأعمال تأتي أولاً والذكاء الاصطناعي ثانياً: يقول المدير الرقمي العالمي في Unilever ضمن الحالة إن الذكاء الاصطناعي التوليدي عامل تمكين لا استراتيجية بذاته، وإن البرامج التي تبدأ بمشكلة عمل تتفوق على تلك التي تبدأ بعبارة «نحتاج إلى استراتيجية ذكاء اصطناعي». وثانيها أن التبنّي إدارة تغيير لا مجرد نشر: فما يُديم الاستخدام هو رعاية قيادية عليا تبقى ظاهرة، وحالات استخدام مصمّمة لأدوار محددة، وتمكين لا يتوقف. وثالثها أن عدم اليقين يُدار بالتجربة لا بالقناعة: يعلّم البرنامج الانضباط الذي طبّقته GitHub وGoogle حين أجرتا تجارب معشّاة محكومة على مساعدي البرمجة بالذكاء الاصطناعي، بمجموعات ضبط ومقاييس حقيقية وآفاق تخطيط من 6 إلى 12 شهراً.
الحجة المضادة الصادقة هي أن الثورة لم تظهر بعد في البيانات. فالباحثون أنفسهم الذين قاسوا التبنّي القياسي للذكاء الاصطناعي يقدّرون أثره الحالي على إنتاجية العمالة الأمريكية بين 0.1 و0.9 بالمئة. لكن هذا بالضبط ما تتنبأ به سابقة الكهرباء. ففي عام 1900، بعد ثمانية عشر عاماً من محطة «بيرل ستريت»، كان الأثر المقاس للكهربة ضئيلاً أيضاً، لأن إعادة التصميم لم تحدث بعد. لقد أنتج التبنّي بلا إعادة تصميم مفارقة الإنتاجية الأولى، وهو ينتج الثانية الآن. الفجوة بين توافر الذكاء الاصطناعي وعائده ليست لغزاً يُفسَّر، بل طابور قرارات إدارية لم تُتخذ بعد.
هذا هو الرهان خلف برنامج هارفارد: الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه إعادة تصميم لسير العمل، وتُجري تجارب صادقة، وتضع المساءلة لدى أصحاب الأعمال لا وظائف التقنية، ستختزل أربعينها الخاصة إلى سلاح تنافسي. وبحسب الشواهد التاريخية، فإن الشركات التي تعلّمت درس الكهرباء مبكراً لم تكتفِ بتبنّي تقنية، بل انتزعت السوق من الشركات التي لم تفعل. وهذه المرة، الفرز مجدول لعقد لا لجيل.
المصادر: بول أ. ديفيد، «الدينامو والحاسوب»، American Economic Review، 1990؛ بيك وبلاندين وديمنغ، «التبنّي السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي»، ورقة عمل NBER رقم 32966 وبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس؛ أبحاث جولدمان ساكس، 2023؛ حالتا هارفارد «Microsoft Customer and Partner Solutions: The Deployment of Copilot (A)» (626-065) و«Gamma: Slides in the Blink of AI» (826-001)؛ مواد برنامج التعليم التنفيذي بهارفارد «الذكاء الاصطناعي التوليدي: الاستراتيجية والتطبيق»، يونيو 2026.

